نهله علي تكتب :مضيق هرمز على خط النار
لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران حبيس البر وحده، بل تجاوز حدوده التقليدية ليمتد إلى البحر، حيث تتقاطع المصالح وتشتبك الرسائل في واحدة من أخطر مناطق العالم: مضيق هرمز. هناك، لم يعد التوتر مجرد احتمال، بل واقعًا يوميًا يضع الملاحة الدولية على حافة الخطر.
في السابق، كان الصراع يدور أساسًا عبر أدوات معروفة: عقوبات اقتصادية، ضغوط سياسية، وحروب بالوكالة في ساحات إقليمية متعددة. لكن المشهد اليوم بات أكثر تعقيدًا؛ إذ تحوّل البحر إلى ساحة مواجهة مفتوحة، تُدار فيها المعارك بشكل غير مباشر، عبر استهداف ناقلات النفط، واحتجاز السفن، وتهديد خطوط الإمداد الحيوية، أحيانًا بأدوات غير معلنة أو عبر أطراف حليفة.
هذا التصعيد البحري لا يعكس فقط رغبة في التصعيد، بل يحمل في طياته رسائل قوة واضحة. كل طرف يسعى لإثبات قدرته على التأثير في شريان الاقتصاد العالمي، لأن تعطيل الملاحة في مضيق بحجم هرمز لا يعني الضغط على خصم بعينه، بل يمتد أثره إلى الأسواق الدولية وأسعار الطاقة، ما يجعل العالم بأسره طرفًا متأثرًا في هذا الصراع.
ورغم ما يبدو أحيانًا من هدوء نسبي، إلا أن الحقيقة تشير إلى غياب هدنة حقيقية. ما نشهده ليس سوى فترات تهدئة تكتيكية، سرعان ما تنتهي مع أول اختبار جديد. فالجذور العميقة للأزمة لا تزال قائمة: من الملف النووي الإيراني، إلى النفوذ الإقليمي، وصولًا إلى شبكة العقوبات المعقدة التي تحكم العلاقة بين الطرفين.
ومع ذلك، من المهم إدراك أن ما يحدث ليس انتقالًا كاملًا من البر إلى البحر، بل توسعًا متزامنًا في ساحات الصراع. فالبر لا يزال مشتعلًا، والبحر أصبح أكثر اضطرابًا، بينما يواصل الفضاء السيبراني لعب دور خفي لكنه مؤثر في إدارة هذا الاشتباك متعدد الأبعاد.
تكمن الخطورة الحقيقية في أن البحر بطبيعته ساحة مفتوحة، لا يمكن السيطرة عليها بالكامل. خطأ واحد في الحسابات، أو حادث غير محسوب، قد يشعل أزمة دولية واسعة النطاق. كما أن تهديد الملاحة لا يضر فقط بطرفي الصراع، بل ينعكس على حركة التجارة العالمية، ويضع اقتصادات دول عديدة تحت ضغط مباشر.
وفي هذا السياق، يبرز البحر الأحمر كامتداد محتمل لهذا التوتر، ما يضاعف من حجم المخاطر ويجعل المنطقة بأكملها أمام معادلة أمنية معقدة. فكلما اتسعت رقعة المواجهة، زادت احتمالات الانزلاق إلى صدام أكبر، قد لا يرغب فيه أحد، لكنه يظل قائمًا في ظل غياب تسوية شاملة.
لم يعد الصراع بين واشنطن وطهران محصورًا في البر، بل تمدد إلى البحر، دون وجود هدنة حقيقية توقفه. إنه صراع متعدد الجبهات، تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والعسكر بالاستراتيجية، في مشهد مفتوح على كل الاحتمالات… حيث يكفي شرارة صغيرة لتشعل ما هو أكبر من مجرد مواجهة ثنائية





